ابن الجزائر
إن للحياة رونقها ورقيها فكن المرآة التي تعكسها

حكايتي

حكايتي

 

أحكي حكايتي في زمن الرّماد...حين انجلت كل مفاهيم العشق والحب ...حين غاب دفء الأحاسيس النبيلة ... وغشتها غمامات الجهل والمجون ... وعصفت رياح اللهو والترف... بأوراق زهر الربيع...احكي حكايتي إليك أنت ... كي أقول لك أني أحبك وأحبك أنت وفقط... لم اعرف الحب إلا معك... لم اعشق من قبل أو من بعد إلا أنت... يخطفني سهر الليل إلى ساعات الفجر ... في شرفتي تحت ضياء البدر ...والنجوم تتلألأ من حولي ... وتداعب النسمات أوراقي ... وأسمر مع قلمي  أحاوره فيك ... ولسان حاله يقول لي ... ويلك من حبها ...ويلك من عشقها ... وبصوت خافت أرد  ... ما عساي أفعل ... لم اختر قدري بيدي ... ولو اخترته لاخترت حبها... لو تعلم يا قلم علم اليقين... لعرفت معها الحب والحنين...

كيف لا أتيم بها ... وهي نبض القلب و نور العين ... كيف لا أتيم بها وأنا انظر إليها في لحظة مقدسة من كل يوم... حينما تشرق شمس الصباح... وتكسوا جسدها الناعم ثوبا ذهبيا يتلألأ... وكأنها ملاك أو طيف من أساطير الأولين... كيف لا أتيم بها وكل من في الكون يعشقها...ويناجي بحبها... لو ترى يا قلم بلابل الصباح في حجرها ... تتلاعب بغطائها الخضري الحريري ... لتستيقظ على تسابيح خلق الجليل ...ويفوح منها عطر العبير الممتزج بالهواء العليل... لتهز هباته شعرها الطويل ...كأنه أمواج البحر الأزرق الكبير ...وترتسم البسمة الرقيقة على سفوح شفتيها...وتدب الحركة في أوساطها ... فأملأ نظري وناظري منها ... علني اشبع...علني أقنع... فيقول الفؤاد هل من مزيد ... عندها احترق مثلما تحترق لفافة السيجار...لوقت مديد ...

لا استطيع أن أقاوم حبها من قريب .. يجذبني إليها حتى ولو كنت بعيد... وألتصق بها ... فأحس بجذورها تتعمق في داخلي مزيد ومزيد... وترويني برحيق عذب من شفتيها ... فلا أظمأ بعده إلى يوم الوعيد ... وتجعل من أيامي كلها .. عيد بعده عيد...

هذه حكايتي يا قلم ... إلى أن جاء اليوم الأسود... حينما استيقضت باكرا ... ككل يوم ... لأتعبد تلك اللحظة القدسية ... وإذ بي أخر ساقطا... كما تخر الفريسة بين فكي فاه مفترسها ... لأرى رياحا عاتية ... تجر سحبا سوداء قاتمة... تتخللها ومضات البرق البيضاء ... ويشق صوت الرعد نسيج السكينة... وتفر البلابل من ربوع مضجع حبيبتي... ولم تكسوها شمس الصباح بالحرير الذهبي ... ولم أرى ابتسامتها ترتسم في أفق .... فترقرقت عيني دمعا... لتفيض عينها دمعا ... وألبستها الأقدار ثوب الهم والخزن ... وتزينت بشوك الجراح  ...لتزفها إلى الأسى عروسا ... وأنا متصلب في مكاني انظر إليها ... تسلب من بين يدي ... كما تسلب الروح من الجسد ...وأخذت ترمقني بنظرات اليتم ... الذي يبحث عن كفيل ... يصد عنه أذى وجور الظالمين... فراحت تمشي بخطوات متثاقلة إلى مصيرها... مصير طال زمانه... ولم يعرف مكانه...

 لم يبقى لي من حبيبتي سوى الذكريات...ذكريات تداعب أوقاتي من حين إلى حين...وصدى الهمسات يطربني ويزيد من شوقي... وأستحضر لمساتها كي تأنس وحدتي...فأشتعل حرقة ومرارة...

هذا المصير المؤلم...الذي اجتمعت فيه كل قوى الظلام...وراحت تسدل ستائر القهر والضلم ... على أبواب ونوافذ بيتي...كي أبقى أسير الوهم...أسير الضعف...وقيدتني بجمر أفعالها...وقتلت كل عزيز وقريب...فهدمت أعشاش العصافير...وأحرقت مواطن الحمام...أطلقت وّحوشها في السماء...كي تنقض على كل شيء جميل...أمطرت سماءها حمم البراكين... لتمحوا أمسي ويومي وغدي...دمرت أحلامي وطموحاتي ... جعلت من الحدائق قبورا تسكنها الأشباح... وانقلبت الجنان الخضراء إلى أرض قاحلة... يتصاعد منها دخان النار ... وصار كل شيء رمادي ... كل شيء حطام ...

صحت بأعلى صوتي أستغيث...وأنا أجري بين الحطام والرماد...وألهث من شدة الوجع...ألتفة يمينا وشمالا...هل من منجد...هل من مغيث...

تثاقلت أطرافي...وتباطأت خطواتي... لأجثو على ركبتي... رافعا رأسي إلى السماء...ودمعي ينقش على خدي جداول الألم...لألمح قبس منير من أعالي السماء ... يكسر سواد الغمامات... ويشق طريقه إلى الأرض... ليقع على زهرة صغيرة... لم تخضع لجبروت الظلام...زهرة كانت هي كل الأمل المتبقي لي ... زهر أعادت الحياة لقلبي ...

ألم يئن للزهور أن تنموا فيك ياجزائر...

وتعيد أمجادك الضائعة....

وترسم البسمة من جديد......

 

ربما يجد من يقرأ هذه الأسطر المنقوشة على لوح رخام التاريخ وبحبر دم الجزائريين الأشاوس الذين ماتوا في نوفمبر 54 ومازالوا يموتون  إلى يومنا هذا ... كرمانا لهذه الوطن وهذه الأرض المجيدة الطيبة الخالد ... أملا يحي هممهم وكما قال المثل

ربّ همة أحيت أمة             

 

حمزة بن صالح وطني إلى النخاع

 

(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 01 نوفمبر, 2007 02:09 م , من قبل photomsila
من الجزائر

للأمام دائما يا حمزة


اضيف في 18 مايو, 2008 09:47 م , من قبل سليمة جزائري
من الجزائر

رائع في نثرك أخي حمزة رائع جدا




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية